👌الانسان والاخلاق
قد يعرض للكاتب اذا عن له ان يكتب مواضيع عديدة كلها وجيهة خيرة ، وكلها تحظى باختياره ورضاه غير انه لا يلبث أن تراءى له من بينها واحد يسترعي انثابه ويشده إليه شدا ، ولايفارقه حتى يستنفذ منه كل ما يستوجبه من بحث وعلاج ،لاسيما إذا كان في ظروفه المناسبة أو في مناسبته المواتية حيث يجد له آذانا صاغية وقلوبا واعية ، فلا تذهب اعماله أدراج الرياح ذلك هو شاني في موضوع الاخلاق ، او هو شأن الأخلاق معي ان صح التعبير
لقائل ان يقول : لقد كتب الكثير عن الاخلاق ، ولكم كسرت أقلام من أجلها ، ولكم استنزفت محابر وملئت كتب ومجلدات ،فماذا عسى أن تقول في هذا المضمار ؟ ام تراك آتيا بما سبقك اليه الآخرون ، فتورط نفسك في مأزق التكرار والاعادة ؟
اجل قد يتناول الموضوع الواحد عشرات الكتاب ، وقد يسودون فيه مئات الأوراق ، ولكن الآراء تختلف كما تختلف طرق البحث واساليب العرض ،ومن الاختلاف يلقي القارئ ضالته المنشودة بالإضافة إلى ما يلقاه من متعة وسلوى ، ثم ان هناك شيء آخر لابد من الاشارة اليه ، انه لمن الممكن أن يتفق الباحثون في تكييف حالة ما أو تشخيص شيء ما واظهار أسبابه ودواعيه ولكن قلما يتفق اثنان في إعطاء الحل الملائم والدواء الناجع ، لأن لكل واحد تجربته الخاصة في هذه الحياة ومن يدري ان احدهم يصيب المرمى فيريح نفسه كما يريح غيره من عناء البحث والجهد المضنى ، فاقول ان الاخلاق عبارة عن مجموعة من الصفات التي يتصف بها المرء باسباب او باخرى ، وتنقسم الأخلاق إلى نوعين : اخلاق حسنة😍 وأخلاق سيئة😠 وهما ضدان لايجتمعان فلا يحل احدهما في النفس الا من ارتحل من الثاني عنها ، فكيف يكون ذلك ؟ اهو شيء غريزي في الانسان ام تمة مؤثرات ودوافع
لقد خاض المفكرون كثيرا في هذا الموضوع ،فمنهم من قال ان الانسان عندما خلق ركبت فيه قوتا الخير والشر معا ،ولا تزالان كامنتين حتى تحدث العوامل التي تحركهما ولكل منهما عواملها الخاصة ، إذا تغلبت عوامل الخير على عوامل الشر تجلت على الشخص اخلاق طيبة حميدة ، وإذا كان العكس بدت عليه أخلاق دنيئة مقيثة
ومنهم من قال : ما مثل الانسان عندما يولد الا كمثل الورقة البيضاء النقية ، واذا ما تلوثت بشيء من الأقذار فانما هو طارئ عليها طروءا ، وليس للخلقة دخل في هذا التلوث
ومنهم من ادعى ان نفس الانسان مجبورة على الشر فان تعذرت وسائل الكبح والردع جمعت به واصبح من مظاهرها الأخلاق الفاسدة ، ومن المفكرين من ذهب الى غير ما تقدم كالوراثة وغيرها .
بيد انه يمكننا بمقارنة هذه الأقوال بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : كل مولود يولد على الفطرة ان نعرف الحقيقة ونخرج بالنتيجة التالية :ان الصبي لا يعرف خيرا ولا شرا ما دام لا يرى ولايسمع فيما حوله من الخير والشر شيئا ، وليس له من التمييز ما يدفعه الى الاول ويجنبه عن الثاني ، والا لما كان موسى عليه السلام ليتناول الجمرة ويضعها في فمه ويحدث له ما حدث ، وهاهو ذا مثل اخر لتوضيح هذا الرأي : لنضع قطعة حلوى في متناول صبي لم يتلق أي درس في التربية وننظر ما سيفعل ، اتراه يمد يده إليها ويلتهما؟ واذا فعل ايعد فعله هذاسرقة ؟ ان العكس اصوب فيما اعتقد لانه فعل هذا بحكم غريزته مثلما يفعل الحيوان تماما ولا تعوزنا الأمثلة للتأكد من ان الانسان لم يخلق فاسدا الا انه يكون كذلك الا اذا اهمل ، وتوفرت امامه وسائل الإغراء دون ان يكون له ما يفيه من مخاطرها مما نسميه التربية القومية
واما دور الدولة فلايقل عن دور المعلم في تهذيب الأبناء وتقويم اعوجاجهم ولعلها اقدر منه لأنها تملك من الوسائل ما لا يملكه هو فمن واجبها فتح النوادي الأدبية ، وتنظم الرحلات السياحية لانقاذ الأبناء من عاهات الشوارع والمقاهي ، وكذلك تخصيص فئة من رجال الشرطة لمراقبتهم وحراستهم ،ولا أخال أحدا يجهل ما في هذا العمل من فائدة بالنسبة إليهم وإلى غيرهم ،وما فيه من حد لتلك التصرفات الطائشة التي يقومون بها ليل نهار دون خجل او حياء ، على أن الجندية افضل شيء لتربية الأبناء الا انها لاتاخذ منهم الا القليل بينما الباقون يجوبون الشوارع يملؤون المقاهي والملاهي ولا راعي ولا رقيب
واخيرا لا ينبغي أن ننسى دور الإذاعة في تنوير أفكار الآباء والأمهات بالنصائح والارشادات النافعة لكي يقومو بواجبهم خير مقام ويقدموا للمجتمع رجالا فاضلين كراما ، عوض ان يقدموا له حيوانات ضارية خطيرة وما أعظم الخطر اذا كان لهؤلاء ثقافة الى جانب أخلاقهم الفاسدة ونفوسهم الدنيئة ،ولتفادي هذا الخطر الكبير فقد ألح الكثير من اهل الفكر على أن تلتزم الأم بما يجب القيام به بمحضر ابنها فتراقب نفسها مراقبة بحيث لا تصدر منها نقطة او اشارة الا وفيه خير وفائدة له بدل ان تحمل اليه بين طياتها الشر وسوء المصير هذا وانها مطالبة بتوجيهه توجيها لائقا مشرفا ، بان تغرس في قلبه الصغير كل فضيلة من شانها ان تخلق منه نفسا نبيلة محترمة ، على ان للاب دوره الفعال في مساعدة الام على الرغم من مشاغله الكثيرة ، خصوصا اذا كانت له ثقافة واسعة من الرزف ، ماذا راه يعمل اذا لم يجد لدى الام اهتماما كبيرا بتربية ولدها او كان اهتماما على غير اسس التربية الصحية ؟
ولئن كنت اعجب فما اكثر عجبي من اولئك النساء المتعلمات اللائي لا يعتنين بابنائهن حق الاعتناء او يضعنهم وهم فلذات اكبادهن بين ايدي المربيات او الخادمات اتكالا علىما ياخدون منهن من دروس قد تكون نافعة او لاتكون ومهما يكن من امر ، فلا يعقل ان تكون اولئك المربيات كيفما كانت اخلاقهن ارحم بالطفل ، واخلص اليه واحرص على سعادته من امه ، ان هذه الظاهرة المؤسفة كثيرا ما نلحظها عند الامهات اللاتي يعملن خارج المنزل فمن اجل مرتب قد يقل ويكثر ، وقد لا يكفي احيانا لشراء فستان يضعن ابنائهن ويتركنهم عرضة للفساد ووخم العاقبة وهل اللاتي يبقين في البيت اقل وبالا على الابناء ممن تقدم ذكرهن ؟كلا انهن لجهلن او تجاهلن ، يفضلن ان يقضين الساعات الطويلة في الكلام الفارغ وما يليق ذكره مع الجارات امثالهن ، على السهر على تهذيب ابنائهن ، بل يامرنهم بالخروج الى الشارع ؟لينحلولهن المكان للحديث او الجدال المزعج او النزاع الخطير ،وفي هذه الحالة فماذا يلقى الابناء في الشارع ؟ لا ؟ انهم يلقون كل نقيصة تحولهم الى ابناء طائشين مستهترين وعندئذ يستاء الاباء من هذا التغير الغريب ويحاولون عبثا ان يقوموهم ولكن اي تقويم يجدي اذا جاء التفريط من قبل الامهات وياليتهن لم يقفن حجر عثرة في طريق الاباء ويسلمن لهم زمام امرهم ما دمن غير قادرات على هذه المسؤولية الثقيلة
فالتربية اذن هي قوام الاخلاق الكريمة ومسلكها واذا ما حصلت هذه الاخلاق فلم يبق لضدها في نفس الانسان من مقر ولاتجد الى قلبه سبيلا..نعم ان التربية وحدها هي الكفيلة بجعله انسانا بمعنى الكلمة اوانسانا كاملا بعبارة اصح ، واما مايقال من ان الانسان يمكن ان ان يكون ذا اخلاق حسنة بلا تربية فلا اعتبره الا ضربا من الخبط العشوائي ، وهو بعيد كل البعد عن الحق والصواب ربما انت عصمة الانبياء حجة لاصحاب هذا الدعاء الباطل ، ولكنها حجة عليهم واقوى دليل على فساد ما يدعون لان ما كان عليه الأنبياء طهر وصفاء ، انما هو بفضل تلك التعاليم الالهية التي ظلوا يتلقونها بين الحين والاخر ،وماذا ندعوها اذن ان لم نقل تربية وتوجيه ؟ يؤكد لنا هذا رسولنا الأعظم في قوله عليه الصلاة والسلام : ادبني ربي فاحسن تاديبي
ومادامت هذه الظاهرة تاتي الانبياء من خارج انفسهم اوبتاثير خارجي ، فلايصح ان نقول عنهم انهم في غنى عن التربية ، بل هذا التاثير نفسه تربية وياله من تربية
ولآن بقي لنا ان نعلم من هو المطالب بتربية الابن ، اهما الابوان ؟ ام هما المعلم والدولة ؟ ام هم جميعا ؟
اذا نظرنا الى الواجب من حيث هو واجب ، فان جميع من تقدموا مطالبون بذلك ولكل نصيب فيه ، وليس له اي عذر ان اهمله اوتراخى عنه الا انهم يتفاوتون بحكم منازلهم من الابن وقوة تاثيرهم عليه ، فمسؤولية الابوين ليست كمسؤولية المعلم والدولة بل هي اكثر واعظم ومثلها في العظمة تلك النتائج الطيبة التي تنجم عنها ،اذا ما لقيت لديهما الاستعداد المطلوب والدراية الكاملة بفنون التربية وطرقها ، غير ان الام هي اهم شخص يلقي على عاتقه هذا الحمل الثقيل لقربها من الطفل ، ولعلاقتها المتينة به ، ولأنه اشد التصاقا بها منه بابيه اوباي شخص اخر
ان الطفل بطبعه جد ميال لمن يطعمه ورعاه ويحنو عليه ، ومن الطبيعي ان ينقاد اليه ويطيعه في كل شيء تلك هي حالته مع امه التي وضعته الاقدار بين احضانها ، فان شاءت اصلحته فيصبح فتى صالحا مفيدا ، وان شاءت افسدته ،فلمن ترى منه الا شريرا يكون نقمة عليها وعلى أبيه وعلى المجتمع بأكمله وما صلاح الابن الا بصلاح الام وتعقلها وإدراكها لما ينبغي ان تقوله اوتفعله امامه لانه سريع الإلمام بكل ما يدور حوله من أقوال وأفعال ،وان لم يبلغ بعد سن النطق والسير على قدميه فبمجرد وصوله الى هذا الطور من حياته ينطق لسانه بنفس الكلمات التي كان يسمعها من امه ويقوم بنفس الحركات التي تقوم بها وهو رضيع ولايفتأ بتلقف كل كلمة تخرج من ثغرها دونها تفريق بين مليح وقبيح وصالح وطالح وبالتالي يتعود عليها وتكبر معه ولن يستطيع بعد ذلك ان يتحول عنها ان لم يضف اليها مساوئ اخرى ، يحكى ان استاذ لاحظ على تلميذ له نوعا من الانحراف الخلقي مع ان له ابا من احسن الرجال وافضلهم ، فاحتار في امره وجعل يبحث عن سبب هذا الانحراف ، وما هي الا بضعة ايام حتى تبين ان للتلميذ اما تحنو عليه الى حد انها لاتعاكسه في شيء يريده ولاترضى من احد ان يغضبه ولو كان اباه وهكذا اضحى الاب المسكين بين نارين ، نار المعاملة السيئة ان رام اصلاح ولده ، ونار الغيظ اذا شاهد يفسدون ان يغضون ضحايا الجهل والانانية والعناد
ولنعد الان الى المعلم وما يستطيع ان يعمله ليكون الولد عقليا وخلقيا ، فمن السهل عليه ان يضع في صرح بنائه لبنات ان لم يكن هناك تقصير من طرف ابويه لان التربية تستمد اصولها من البيت ومادام هذا البيت خاليا من الاهتمام والرعاية ، لى يكون في طوق المعلم ان ياتي بالنتيجة المبتغاة ولعله من الانصاف الا ناخذ على المعلمين والاساتذة تبرمهم من بعض التلاميذ المنحرفين ، ولا يخف ان المعلم متى وجد لدى التلاميذ تعقلا وتهذيبا ازدادت محبته لهم وقوى ارتباطه بهم وزاد اخلاصه لهم واعطاؤهم من عقله وعلمه مايتزودون به لمستقبل ايامهم ، ومابرز عظيم تونبغ عالم او تالق زعيم الا كان له ابوان مهتمان ومعلم نصوح
.



Commentaires: 0
Enregistrer un commentaire